محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

118

الآداب الشرعية والمنح المرعية

واعلم أن القلوب تضعف وتمرض وربما ماتت بالغفلة والذنوب وترك إعماله فيما خلق له من أعمال القلوب المطلوبة شرعا وأعظم ذلك الشرك ، وتحيا وتقوى وتصح بالتوحيد واليقظة وأعماله فيما خلق له والضد يزول بضده وينفعل عنه عكس ما كان منفعلا عنه ، وقال عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه : رأيت الذنوب تميت القلوب * وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ سورة الأنعام : الآية 122 ] . وفي الصحيحين " 1 " أو في صحيح مسلم من حديث حذيفة " إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ثم إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يبقى أسود مربدا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه فالهوى أعظم الأدواء ومخالفته أعظم الدواء وسيأتي في آخر فصول التداوي في دواء العشق ما يتعلق بهذا . وخلقت النفس في الأصل جاهلة ظالمة كما قال تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ سورة الأحزاب : الآية 72 ] . فلجهلها تظن شفاء في اتباع هواها ، وإنما هو أعظم داء فيه تلفها ، وتضع الداء موضع الدواء والدواء موضع الداء ، فيتولد من ذلك علل وأمراض ، ثم مع ذلك تبريء نفسها وتلوم ربها عز وجل بلسان الحال ، وقد تصرح باللسان ولا تقبل النصح لظلمها وجهلها ، ولهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملا على كمال الربوبية لجميع المخلوقات ، ويستلزم توحيده ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والخوف والرجا إلا له سبحانه وتعالى ، وفيه العظمة المطلقة وهي مستلزمة إثبات كل كمال ، وفيه الحلم مستلزم كمال رحمته وإحسانه ، فمعرفة القلب بذلك توجب إعماله في أعمال القلوب المطلوبة شرعا ، فيجد لذة وسرورا يدفع ما حصل وربما حصل البعض بحسب قوة ذلك وضعفه كمريض ورد عليه ما يقوي طبيعته . وهذه الأوصاف في غاية المناسبة لتفريج ما حصل للقلب ، وكل ما كان الإنسان أشد اعتناء بذلك وأكثر ذوقا ومباشرة ظهر له من ذلك ما لم يظهر لغيره . والحياة المطلقة التامة مستلزمة لكل صفة كمال ، والقيومية مستلزمة لكل صفة فعل ، وكمالها بكمال الحياة ، فالتوسل بهاتين الصفتين يؤثر في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال . وعن أسماء بنت يزيد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال " 2 " : " اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين :

--> - وصححه الشيخ الألباني . فانظر الصحيحة ( 1746 ) . ( 1 ) رواه البخاري ( 1435 ) ومسلم ( الإيمان / 144 ) . ( 2 ) رواه أبو داود ( 1496 ) والترمذي ( 3478 ) وابن ماجة ( 3855 ) وغيرهم . وقد حسنه الشيخ الألباني . -